هل فقد الإنسان إنسانيته؟
إن الناظر في هذه المدنية المعاصرة ليدرك أنها كما جلبت معها للإنسان من الخير ما يعد و ما يحصى فكذلك أتت إليه بشرور قد تعد ولا تحصى، فهاهو إنسان اليوم يخالف أو يكاد يخالف ما كان عليه الآباء و الأجداد في الأمس من كد و جد في إكتساب الرزق من البيئة البسيطة و من صبر على العمل الشاق و على العمل الخفيف في نهاره ثم يأوي إلى فراشه ليلبي نداء بدنه المتعب، فكان يعيش على طبيعته و سجيته التي خلقه الله عليها لايتكلف من العيش ما لا يطيقه و ما يضره أكثر مما ينفعه، فيعيش كما تعيش غيره من الدواب التي تحيى على صفتها الأصلية التي جبلت عليها، فكان يأكل ما يجد و لا يأكل حتى يجوع و لا يأكل حد البطنة التي تذهب الفطنة و النشاط.
ثم أصابه داء هذه المدنية الإتكالية فغير من خلق الله الذي خلقه الله عليه و عجز عن البحث عن طعامه بنفسه و صار متواكلا متكلا على ما تنتجه المصانع و المزارع التي استغلت ضعفه و عجزه فتاجرت في حاجاته و شهواته، فيأكل الوجبات السريعة وهو في عجلة دائمة من أمره، و يتناول المعلبات و الطعام الجاهز أو نصف الجاهز يحتاج فقط التسخين لثوان معدودات يقتنيه ببضعة دراهم و يدفع باقي الثمن من صحته التي لم يعد يقدر ثمنها، يكفيه أن يمزق الكيس ويفرغه في فيه ليملأ بطنه كما تلتهم الدواب العلف المعدن للتسمين فإن أصاب معدته أو جسده مرض قصد محلات بيع الدواء فيشتري منها ما يضره و ما ينفعه وربما غلب هذا على ذاك فأهلكه أو ذهب به إلى المستشفى عسى أن ينقذ بعض من صحته المريضة إن إستطاع إلى ذلك سبيلا.
وقد فقد الإنسان المعاصر كثير من إنسانيته فكأنه مختل التفكير لا يعرف ما يضره ولا ما ينفعه، أو كأنه مقعد لا يقدر أن يحتطب للنار وقودا و لا أن يبطخ طعامه بيده و في بيته، ولا يجد راحته و لا طمأنيته في بيت الله و لا بين أهله، بل يفر من الخير الذي في تلك البيوت إلى بيوت عمارها من الفارغين و الثرثارين الجالسين على الكراسي يشربون الشاي و القهوة و يلعنون البلاد و العباد و لا يعجبهم العجب ولو في شهر رجب، ولا يتعلمون شيئا ينفع من علوم العرب ولا علوم الغرب.
هذا الإنسان المسمى متقدم بات تافها يتتبع أخبار المشاهير التافهين و قصرت همته عن تربية أولاده فسلمهم لغيره و دفع له مقابل ذلك و أَمَّنَهُ على فلذات أكباده كأنه تركهم بين أيدي آمنة لملائكة أطهار لا يعصون الله ما أمرهم، و يستسيغ طعام الشوارع بدل طعام البيوت، فتحلو له الأولى على قلة النظافة و الجودة فيها ولا تحلوا له الثانية، يخرب صحته بيديه و بأيدي المجرمين الآثمين، كائن ملول من أصناف الطعام لا يحب منها إلا الأطعمة الغارقة بالصلصات الحارة و المالحة و ما تشابه عليه مع المشروبات الغازية و السكرية فما عاد يحسن قلي بيضة و لا إنضاج رغيف ولا خبزة يابسة، وإنما اعتمد في تلبية حاجاته و إشباع شهواته المتكاثرة بسحر الإعلام المغري على ما في الدكاكين من أطعمة مجففة و مجمدة، فوثق في الشركات المنتجة ثقة عمياء و آمن بدعاياتها الفاتنة إيمانا يقينيا لا يخالطه شك فكلما اشتهى اشترى و كلما رأى طبيخا أقبل عليه إقبال الرضيع على ثدي أمه الحنون، قد منعت الرحمة من قلبه و ضلت الحكمة طريقها إلى عقله مبلغ همه أن يلهث خلف شهواته ولا يهمه أن يبيت منفوخ البطن وجاره جائع سهران تشغله عصافير بطنه الفارغة عن إغلاق جفونه ولو لساعة يتيمة، يجري وراء صيحات الموضة و أخوه في الدين ثم في الإنسانية عار أو ليس عليه إلا أسمالا بالية لا تستر عورة و لا تقي من برد ولا من حر.
قد سلبته الرأسمالية المتوغلة حريته الاستهلاكية وحولته إلى عبد مملوك لشهوات التجارة العالمية فمتى يتذكر هذا الأسير حريته المسلوبة و يرجع عاجلا غير آجل إلى طبيعته الضائعة؟.

تعليقات
إرسال تعليق